المسبحة الوردية في الزمن الأربعيني

هناك عدّة محطّات تستوقفُنا في الزمن الأربعيني، ولعلّ من أهمّها وأكثرها خصوبة، رياضة درب الصليب… ولكن ما علاقة هذا بالمسبحة؟؟؟

إنّ أمنا العذراء هي أول إنسان سار مع المسيح في درب الآلام، فمنذ اللحظة التي غادر فيها الملاك بيت الناصرة، خرجت مريم من العنصرة التي وضعها بها الملاك، وبدأت مسيرة آلام طويلة، كان أولها متاعب الرحيل إلى بيت لحم للإكتتاب، ثمّ الولادة في المغارة وما تبعها من متاعب.

ولكن التقدمة كانت المرحلة الحاسمة التي كشفت لمريم العذراء أن طريق الآلام طويلة، وذلك عندما قال لها سمعان الشيخ: “فأنت سينفذ سيف في قلبك”، كان هذا الكلام قاسيّاً على فتاةٍ في أول عمرها، تحملُ إبنها بين ذراعيها لتقدمّه للربّ. ولكن، يقول الكتّاب المقدّس، كانت مريم تحفظُ كلّ هذا، وتتأمّل به في قلبها. وهكذا بقيت حتى وصلت إلى الجلجلة بعد مسيرة آلام إستمرّت ثلاثة وثلاثين عاماً.

السرّ الأول: نزاع يسوع في بستان الزيتون

في بستان الزيتون…

سقط يسوع تحت وطئة الشر…

الذي هو كان مزمعاً أن يحتمله من عذاب،

فأمست نفسه كئيبة حتّى الموت،

وسأل أباه السماوي…

الذي بدا وكأنه متخلّياً عنه،

أن يُنجّيه من هذه الكأس لو أمكن…

السرّ الثاني: بيلاطس يحكم على يسوع بالموت

قبل أيّامٍ صرخ الشعبُ: “هوشعنا، مباركٌ الآتي بإسم الربّ”،

والآن نسمعه يصرخ: “ليُصلبْ، ليُصلبْ…” فأسلمه بيلاطس إليهم ليصلبوه. 

أنتم، ماذا فعل لكم ولدي لتصلبوه؟؟؟! هل ماتت المرؤة والشهامة في قلوبكم؟؟!! 

أين المرضى الذين شفاهم؟؟!! أين الأموات الذين أقامهم؟؟!! أين الخطأة الذين غَفَرَ لهم؟؟!!

أجيبوني!!! هل أساءَ إلى أحدٍ منكم؟؟!! أجيبوني… لماذا أنتم صامتين… 

وتبقى مريم من بعيد، تنظرُ إبنها… 

إبنها، الطهارة بالذات، يحكم عليه إنسان وثني، وهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً… 

وهنا تشعر مريم بالسيف ينغرس في قلبها.

السرّ الثالث: يسوع يلتقي أُمه الحزينة

وتحرّك الموكب… جنودٌ أسكرتهم الخمرة… 

كتبةٌ وفريّسيون أسكرهم حِقدهم… وشعبٌ حكمهم خنوعهم… 

ومريم بين هولاء إنطلقت دون تفكير ولا خوف تريد أن ترى إبنها… 

يا لهول المنظر… لم تستطع مريم أن تقول أمامه شيئاً… فدخلت في دائرة صمتٍ كبيرٍ، 

ولكن كانت كلّ برهةٍ تمرُّ، تقرّب بين القلبين… 

قلبُ الأم، وقلب الإبن… فيتشابهان في الآلام والتضحية والفداء… 

ويسيران معاً جنباً إلى جنب، نحو مصيرهما المشترك… الجلجلة، 

هذا التشابه… هذا الألم التوأم يتعاظم يوماً بعد يوم، الإبن يشبه أمه بتقاطيع وجهه، والأم تشبه إبنها بجرح قلبها العميق، ويؤلّفان ضحيّ’ واحدةً، السيف – ها هو السيف في قلب مريم الأم.

السرّ الرابع: يسوع يُعلّق على الصليب

عند الصليب وحدها بكت مريم، وما من يمسح الدمع،

نظرةٌ إليك، وأختسرت آلام العالم كلّه بنظرتها، 

كانت كلّ صرخة تخرج منها تغرز السيف أكثر فأكثر في قلبها… 

كانت تتمنّى لو أنها هي التي صُلبت بدلاً منك… 

ولكنها كانت مؤمنة بما يحدث، فقد كان كلام الملاك يتردّد في عقلها… 

ولذلك قبلت الصليب الجديد الذي سلّمتها إيّاه من أعلى صليبك… 

وهو أن تكون أماً لكلّ واحدٍ منّا، بالآمه وأتعابه وبأحزانه وأفراحه.

السرّ الخامس: يسوع يُنزل عن الصليب ويُوضع في حضن أمه مريم

أَنزلوا يسوع ووضعوه في حضن أمه لتّودعه، 

وعندها أخذت تتذكّر كيف حملتك في حضنها لأول مرّة في مغارة بيت لحم، 

طفلاً إلهيّاً جميلاً… واليوم هي تحضنك بحالة لا تُصدّق، 

مُجرّحاً، مشّوهاً، مُهاناً، ملّطخاً بالدماء، فدخلت في صمتها وتأملّها بعيداً عن العالم… 

وأخذت تفكّر…

كيف تكون العظمة في التواضع..

القوّة في الإستسلام… الضجيج في الصمت…

الحياة في الموت …   القيامة في الصليب… 

الشجاعة في الغفران …  المحبّة في الحقد …

وهنا أدركت مريم معنى السيف، وأخذت تتذكّر كلام سمعان الشيخ.

صلاة الختام

يا يسوع، ويا أمي، أني أُريد وبكلّ قوتي أن أسير معكما في درب الآلام، لكني أحتاج منك يا يسوع أن تطمئنني، أن تقول: “إنك عائد في اليوم الثالث، وسوف تُدحرج الحجر… نعم يا يسوع، كي نحتمل آلامنا اليوميّة، يجب أن يطمّئننا أحدٌ بأن يقول: “أن هناك قيامة، وهناك مكاناً سوف نلتقي فيه من جديد، وأن لكلّ منّا حسابه في السماء…

يا يسوع، ندرك اليوم كم الظلم في العالم مؤلم… لكنه حاكم… كم أن الحقّ والحقيقة ضائعان، هل يجب أن تعود من جديد؟؟!

ربما… هل فكّرت بالعودة من جديد لتعلمنا التسامح والغفران، البذل والعطاء والفداء 

وهل نستحقّ مجيئك وعوتك؟؟!!

نعم يا يسوع عُدْ… عُدْ فهذه المرّة لن نجعلهم يحملونك على الصليب.

عُدْ فسوف نحميك نحن…

عُدْ فسوف يكون هناك من يعرفك، من يحتاج إليك، وإلى وقفتك….

عُدْ…. ولن تبكي مريم…

شارك مع الأصدقاء!

Facebook
WhatsApp
Email
Twitter
Telegram